
تلقيت عدداً من التعليقات على سلسلة مقالاتي التي تناولت الانتخابات الأمريكية ونتائجها، وما حققته من انتصارات انتخابية لافتة، في مقدمتها فوز الدكتور عبد الرحمن السيد، الذي أنفق اللوبي الصهيوني ما لا يقل عن أربعين مليون دولار في محاولة لإسقاطه.
وقد تباينت التعليقات بين من عبّر عن فرحته بفوز عدد من الشباب المسلمين في الانتخابات الأمريكية، ومن ذهب أبعد من ذلك متحدثاً عن إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية، في حين وجّه آخرون اللوم إلى عبد الرحمن السيد لمشاركته في انتخابات تجري في «بلاد الكفر»، وكأن مجرد خوضه المنافسة الانتخابية يعني إقراراً منه بكل ما يجيزه الدستور الأمريكي من ممارسات أو بما يصفونه بالموبقات.
ومع تقديري لكل من عبّر عن فرحته بفوز الدكتور عبد الرحمن السيد، أود أن أوضح أن الرجل لم يخض الانتخابات الأمريكية لتمثيل المسلمين أو للتحدث باسم الإسلام. ومن ثم، أرى أن من الأفضل إبعاد المسألة الدينية عن قراءة هذا الفوز، والتعامل مع عبد الرحمن السيد بوصفه مواطناً أمريكياً، بصرف النظر عن ديانته.
فهو، على المستوى الشخصي، مسلم متدين ومعتز بدينه، ولم يحاول إخفاء هويته الإسلامية في أي وقت. كما أن زوجته ترتدي الحجاب وتعتز به. غير أن البرنامج السياسي الذي خاض الانتخابات على أساسه لم يكن برنامجاً دينياً، وإنما استند إلى ثلاث ركائز أساسية: إبعاد المال عن التأثير في السياسة، وإعادة توجيه الموارد إلى جيوب المواطنين، وضمان الرعاية الصحية للجميع.
وإلى جانب ذلك، تبنّى السيد خطاباً سياسياً واضحاً بشأن القضية الفلسطينية، رافضاً إرسال أموال دافعي الضرائب الأمريكيين إلى دولة ترتكب الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، ومؤكداً أن الأولى بهذه الأموال أن تُوجَّه إلى أطفال الولايات المتحدة وتلبية احتياجاتهم.
وهنا يبرز السؤال: ما الذي يجعل المسلمين والعرب، بل والشعوب المقهورة في مختلف أنحاء العالم، يشعرون بالارتياح إزاء فوز عبد الرحمن السيد ورفاقه، والبرنامج السياسي الذي تبنّاه الحزب الديمقراطي؟
أولاً، ظلت القضية الفلسطينية، على مدى العقود الخمسة الماضية، واحدة من أعقد قضايا الشرق الأوسط وأكثرها استعصاءً على الحل. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية الداعم الأكبر لإسرائيل، سواء في مواقفها المتعنتة ورفضها المتكرر للمساعي الرامية إلى تحقيق السلام على أساس حل الدولتين، أو في توفير الغطاء السياسي والعسكري لها بينما تواصل ارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني.
ومن هنا، فإن وصول القضية الفلسطينية إلى صندوق الاقتراع الأمريكي، وتحولها إلى قضية مؤثرة في خيارات الناخبين ومواقف المرشحين، يمثل في حد ذاته تطوراً يستحق الترحيب. وليس هذا مصدر فرح للعرب والمسلمين وحدهم، بل لكل الشعوب التي تؤمن بالعدالة وترفض الظلم والهيمنة.
ثانياً، مثّل الرئيس دونالد ترامب، في نظر كثيرين، صورة منفّرة للسياسة الأمريكية، إذ بلغ به الغرور حدّاً لم يترك معه مجالاً لمزيد من الاستعلاء والتعالي، حتى كاد يستنفد كل أشكال التبجح السياسي، ولم يبقَ له، في المفارقة التي تستحضرها الآية الكريمة، إلا أن يقول: «أنا ربكم الأعلى».
ومن ثم، فإن بروز جيل جديد من السياسيين يطرح خطاباً عقلانياً، ويناهض النزعة الترامبية القائمة على الاستعلاء والعدوانية والاستقطاب، يمثل مكسباً سياسياً وأخلاقياً. فالعاقل، حتى إن اختلفنا معه، خير من الجاهل الذي يزعم الصداقة، ناهيك عن أن يكون الجاهل خصماً.
وخلاصة القول إن فوز عبد الرحمن السيد ورفاقه من المسلمين لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصاراً للإسلام أو تمثيلاً للمسلمين في الولايات المتحدة، كما لا يصح تحميله دلالات دينية لم تكن جزءاً من مشروعهم الانتخابي. فهم مواطنون أمريكيون خاضوا منافسة سياسية على أساس برامج وشعارات محددة، وجدت قبولاً لدى قطاعات من الناخبين الأمريكيين، فصوّتوا لهم على هذا الأساس.
أما ما يعنينا نحن، فينبغي أن يكون الجانب المتعلق بمواقفهم السياسية، ولا سيما ما يتصل بالقضية الفلسطينية والعدالة الاجتماعية وتوجيه الموارد لخدمة المواطنين. ويبقى الرهان الحقيقي على مدى صدقهم في الالتزام بما طرحوه، وقدرتهم على تحويل تلك الوعود والشعارات إلى سياسات ومواقف عملية.



